عثمان بن جني ( ابن جني )
448
الخصائص
يكون الفعل مقلوبا من وحدت إلى حدوت ، وذلك أنهم لمّا رأوا ( الحادي ) في ظاهر الأمر على صورة فاعل صار كأنه جار على ( حدوت ) جريان غاز على غزوت ؛ كما أنهم لما استمرّ استعمالهم ( الملك ) بتخفيف الهمزة صار كأنّ ملكا على فعل ، فلمّا صار اللفظ بهم إلى هذا بنى الشاعر على ظاهر أمره فاعلا منه ، فقال حين ماتت نساؤه بعضهنّ إثر بعض : غدا مالك يرمى نسائي كأنّما * نسائي لسهمى مالك غرضان " 1 " يعنى ملك الموت ؛ ألا تراه يقول بعد هذا : فيا رب عمّر لي جهيمة أعصرا * فمالك موت بالقضاء دهانى " 2 " وهذا ضرب من تدريج اللغة . وقد تقدّم الباب الذي ذكرنا فيه طريقه في كلامهم فليضمم هذا إليه ؛ فإنه كثير جدّا . ومثل قوله ( فاحدهنّ ) في أنه مقلوب من ( وحد ) قول الأعرابيّة : ( أخاف أن يجوهنى ) ( وهو ) مقلوب من الوجه . فأمّا وزن ( مالك ) على الحقيقة فليس فاعلا لكنه ( مافل ) ألا ترى أن أصل ( ملك ) ملأك : مفعل ، من تصريف ألكنى إليها عمرك اللّه ، وأصله الئكنى فخفّفت همزته ، فصار ألكنى ، كما صار ( ملأك ) بعد التخفيف إلى ملك ، ووزن ملك ( مفل ) . ومن طريف المقلوب قولهم للقطعة الصعبة من الرمل ( تيهورة ) وهي عندنا ( فيعولة ) من تهوّر الجرف ، وانهار الرمل ونحوه . وقياسها أن تكون قبل تغييرها ( هيوورة ) فقدّمت العين وياء ( فيعول ) إلى ما قبل الفاء ، فصارت ( ويهورة ) ثم أبدلت الواو التي هي عين مقدّمة قبل الياء تاء كتيقور " 3 " ، فصارت ( تيهورة ) كما ترى . فوزنها على لفظها الآن ( عيفولة ) . أنشدنا أبو علي :
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( لأك ) ، ( ملك ) . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( لأك ) ، ( جهم ) ، وتاج العروس ( جهم ) . ( 3 ) تيقور : هو الوقار . وأصله : ويقور .